
اليوم، أصبح كل طفل تقريبًا قادرًا على الوصول إلى الشاشة قبل أن يتعلم الكلام، وهذا ليس مبالغة: يلعب معظم الأطفال بالهاتف المحمول أو الجهاز اللوحي قبل بلوغهم عامينويبدأ عدد كبير من الأطفال باستخدام الشاشات حتى قبل بلوغهم عامهم الأول. في عالمٍ تُشكّل فيه الشاشات حضورًا مستمرًا، من الطبيعي أن يتساءل الآباء والمتخصصون في الرعاية الصحية عن التأثير الحقيقي لذلك على الصحة البدنية والنفسية للأطفال الصغار.
لا يتعلق الأمر بتشويه سمعة التكنولوجيا، بل يتعلق بافتراض أن إن دماغ الطفل غير مستعد لنفس الكثافة الرقمية التي يستطيع الشخص البالغ التعامل معها.لقد حذرت بالفعل دراسات دولية مختلفة ومستشفيات رائدة ومنظمات مثل الأمم المتحدة واليونيسيف وجمعيات طب الأطفال من نمط واضح: كلما دخل الهاتف الذكي إلى حياة الطفل في وقت مبكر وكلما زاد الوقت الذي يقضيه أمام الشاشة، زاد خطر مشاكل النوم ومشاكل النمو والسمنة ومشاكل الصحة العقلية والصعوبات الاجتماعية.
لماذا يثير الاستخدام المبكر للهواتف الذكية قلق أطباء الأطفال والخبراء؟
في أقسام الولادة في المستشفيات الرائدة، مثل مستشفى جامعة بادوفا في إيطالياتُعالَج هذه المشكلة منذ لحظة الولادة. وقد أُطلق برنامج وقائي يستهدف الآباء ومقدمي الرعاية، فالبيانات تتحدث عن نفسها: أكثر من 70% من الأطفال يستخدمون هواتف آبائهم المحمولة في سن الثانية، ونسبة كبيرة منهم يستخدمونها كمصدر ترفيه منتظم.
هذه الظاهرة المعروفة ب وقت الشاشة أو وقت الشاشةأصبح قضاء وقت طويل أمام الشاشات مشكلة صحية عامة ناشئة. وقد راجع باحثون من جامعات مثل ترييست وليفربول وكلية لندن للصحة والطب الاستوائي عشرات التوصيات الرسمية الصادرة عن وكالات الأمم المتحدة والجمعيات العلمية والهيئات الصحية. وتوصلوا إلى استنتاج واضح: الإرشادات المتعلقة بالوقت الذي يمكن للأطفال والمراهقين قضاؤه أمام الشاشات متسقة إلى حد كبير، إلا أنها نادرًا ما تُتبع، بل وتُضعف.
تشير الأدلة التي تم جمعها إلى أن هناك فجوة كبيرة بين ما يوصي به الخبراء وما يحدث في الحياة الواقعية.على الرغم من أن معظم الوثائق الرسمية تحدد حدود التعرض وتقترح استخدامًا أفضل للجودة (المحتوى المناسب والإشراف والجداول الزمنية و تكوين الرفاهية الرقميةفي الواقع، غالبًا ما يتجاوز الأطفال هذه الإرشادات بكثير. وقد دفع هذا بعض المؤلفين إلى الدعوة إلى اتخاذ إجراءات عاجلة لتعزيز السياسات العامة، والأهم من ذلك، مساعدة الأسر على تطبيق هذه التوصيات.
فقط اذهب للخارج لترى ذلك: من الشائع رؤية أطفال صغار جدًا في عربات الأطفال أو في المطاعم وهم يحملون هواتف ذكية أو أجهزة لوحية في أيديهم، تستخدم كـ إلهاء ليطمئنوا. المشكلة هي أن ما يبدو حلاً عمليًا قصير المدى قد يكون له عواقب وخيمة على نمو الطفل على المديين المتوسط والطويل.
في الأشهر الأولى من الحياة وحتى عمر سنتين، ارتبط استخدام الشاشة بـ تأخر اللغة، وسوء جودة النوم، وحتى سلوكيات الاعتماد على الأجهزةبدلاً من التحدث أو اللعب أو التفاعل وجهاً لوجه مع والديه أو أجداده أو أشقائه، يصبح الطفل "مدمنًا" على التحفيز المستمر للجهاز، مما يؤدي إلى فقدان فرص رئيسية للتعلم الاجتماعي والعاطفي.

ماذا يحدث لدماغ الطفل وجسمه عندما يستخدم الهاتف المحمول بشكل مفرط؟
تشير الدراسات المتعلقة بالنمو العصبي إلى أن يرتبط الاستخدام المكثف للشاشات في سن مبكرة بالتغيرات في المادة البيضاء في الدماغ.جذع الدماغ مسؤول عن ربط مناطق الدماغ المختلفة. هذه الروابط أساسية لتطور اللغة والقراءة والعديد من الوظائف الإدراكية. قد يرتبط الإفراط في استخدام الشاشات بضعف نمو هذه المناطق الرئيسية.
بالإضافة إلى ذلك، الضوء الأزرق الصادر من الهواتف المحمولة والأجهزة اللوحية فهو يمنع إنتاج هرمون الميلاتونين، الذي ينظم النوم.عندما يستخدم الطفل هاتفًا ذكيًا قبل النوم، يواجه صعوبة أكبر في النوم، وينام بشكل سيء، وتتعطل ساعته البيولوجية. ومع مرور الوقت، يرتبط قلة النوم هذه بزيادة الانفعال. مشاكل الانتباهخطر الإصابة بالقلق والاكتئاب والسمنة وتدهور الأداء الأكاديمي بشكل عام.
في الممارسة السريرية، ظهور السلوكيات الإدمانية الحقيقية عند الأطفال بعمر سنتين أو ثلاث سنواتتشمل العلامات الشائعة البكاء المستمر عند إزالة الهاتف، وعدم القدرة على الترفيه عن أنفسهم بدون الشاشة، أو الرغبة المستمرة في استخدام الجهاز. في هذه الحالات، ينصح أطباء الأطفال باتخاذ إجراء حاسم، بإزالة الهاتف و وضع حدود واضحة للغاية، تمامًا كما يتم فعله مع أي سلوك تابع آخر.
تشير الأبحاث التي أجريت حتى في بلدان مثل اليابان إلى وجود علاقة محتملة بين الإفراط في استخدام الشاشة والأعراض المتوافقة مع اضطرابات طيف التوحد لدى بعض الأطفال. ورغم استحالة إثبات علاقة سببية مباشرة، فإن هذه النتائج تُعزز فكرة أن التعرض المبكر والواسع للأجهزة الرقمية ليس ضارًا.
من ناحية أخرى، تزداد ظاهرة "السهر" - أي السهر على الهاتف المحمول أو أجهزة الألعاب أو الكمبيوتر - شيوعًا بين المراهقين. هذه العادة، التي تسرق ساعات من النوم، مرتبطة بـ تقلبات المزاج، والتهيج، والتعب، ومشاكل الانتباه، والصداع، التعب البصري وضعف الجهاز المناعييؤدي العديد من المراهقين الذين يمارسون "الاستمناء" إلى نتائج أسوأ في المدرسة، ويبدون أكثر لامبالاة، ويتراكم لديهم المزيد من التوتر.
وبالتوازي مع ذلك، تنشأ مشاكل مثل رهاب عدم الاتصال، ذلك الخوف غير العقلاني من البقاء بدون هاتفك المحمولبالنسبة لبعض الأولاد والبنات، فإن إغلاق هواتفهم أو فقدان الاتصال يسبب لهم ضائقة غير متناسبة، مما يشير إلى أن الجهاز تحول من كونه أداة مفيدة إلى شيء يعتمدون عليه عاطفياً.
الدراسات الكبرى: الاكتئاب والسمنة واضطرابات النوم

عززت العديد من الدراسات الكبيرة مخاوف المجتمع العلمي. ومن أكثرها استشهادًا: دراسة التطور المعرفي لدماغ المراهقينوقد قامت أكبر دراسة طولية حول تطور دماغ الأطفال والتي أجريت في الولايات المتحدة، بمشاركة أكثر من 10.500 مشارك، بتحليل ما إذا كان امتلاك هاتف ذكي قبل سن 12 عامًا مرتبطًا بصحة بدنية وعقلية أسوأ.
وبعد تعديل عوامل مثل العمر والجنس والعرق والنضج البدني وإشراف الوالدين ووجود أجهزة أخرى في المنزل، وجدوا أن كان امتلاك هاتف ذكي في سن 12 عامًا مرتبطًا باحتمالية أعلى بنسبة 31٪ للإصابة بالاكتئاب، 40% زيادة في خطر الإصابة بالسمنة و62% زيادة في احتمالية المعاناة من مشاكل النوم مقارنة بمن لم يكن لديهم هاتف محمول في ذلك العمر.
وكشفت الدراسة أيضًا عن نمط واضح جدًا: في كل عام يتم فيه تقديم موعد تسليم أول هاتف ذكي إلى ما قبل سن 12 عامًا، يزداد خطر الإصابة بالسمنة بنسبة 8% وخطر اضطرابات النوم بنسبة 9%.وبعبارة أخرى، فإن الأمر ليس نفسه إذا وصل الهاتف المحمول الأول في سن الحادية عشرة كما هو الحال في سن الثامنة، وخاصة إذا تم إعطاؤه في وقت أبكر من ذلك.
وتابع الباحثون أيضًا المراهقين الذين لم يكن لديهم هاتف محمول في البداية، بما في ذلك أولئك الذين حصلوا على هواتفهم الذكية الأولى قبل سن 13 عامًا. وأظهروا زيادة بنسبة 57٪ في خطر الإصابة بمشاكل الصحة العقلية، مثل الاكتئاب أو القلق، وارتفاع خطر الإصابة باضطرابات النوم بنسبة 50%، مقارنة بأقرانهم الذين لم يمتلكوا هاتفًا في العام التالي.
ومن المهم توضيح أن هذه النتائج تظهر الارتباطات الإحصائية، وليس علاقة سببية مباشرة وفريدة من نوعهاومع ذلك، تتوافق هذه النتائج مع دراسات أخرى تشير إلى أن الاستخدام المكثف للهواتف الذكية يمكن أن يتداخل مع العلاقات وجهاً لوجه، ويقلل من النشاط البدني، ويعرض المستخدمين لمحتوى ضار، ويعطل أنماط النوم - وهي عوامل تؤثر مجتمعة بشكل كبير على الصحة البدنية والعاطفية.
وتشير تحليلات أخرى، مثل تلك التي أجراها مستشفى الأطفال في فيلادلفيا والجامعات الرائدة، إلى نفس الاتجاه: يُظهر المراهقون الذين يتلقون هواتف ذكية في سن أصغر عمومًا مؤشرات أسوأ فيما يتعلق بالوزن والنوم والصحة العقلية. أكثر عرضة للإصابة بالمرض من أولئك الذين يتلقونه في وقت لاحق، مع وجود فروق ملحوظة بشكل خاص في مرحلة ما قبل المراهقة.
المخاطر طويلة الأمد: الأفكار الانتحارية والصحة العقلية في مرحلة الشباب
بعد مرحلة الطفولة والمراهقة المبكرة، يبدأون أيضًا في الظهور التأثيرات على الصحة العقلية للشباب البالغين الذين حصلوا على هاتف محمول في وقت مبكر جدًاوقامت دراسة نشرت في مجلة التنمية البشرية والقدرات، استندت إلى بيانات من أكثر من 100.000 ألف شخص تتراوح أعمارهم بين 18 و24 عاماً، بتحليل سن اقتناء أول هاتف ذكي وعلاقته بمؤشرات مختلفة للصحة النفسية.
وتشير النتائج إلى أن كان الأشخاص الذين حصلوا على هاتفهم المحمول الأول في سن 12 عامًا أو قبل ذلك أكثر عرضة للأفكار الانتحارية.ارتبط الالتحاق المبكر بالتعليم بانخفاض تقدير الذات، وانخفاض الاستقرار العاطفي، والعدوانية، والانفصال عن الواقع في بداية مرحلة البلوغ. لدى النساء، ارتبط الالتحاق المبكر بانخفاض تقدير الذات والقدرة على الصمود؛ لدى الرجال، بانخفاض الاستقرار والسكينة والثقة بالنفس والتعاطف.
ومن بين النتائج الأكثر إثارة للدهشة التي توصلت إليها الدراسة هو أن أفادت ما يقرب من نصف الفتيات اللاتي حصلن على هواتفهن الذكية الأولى بين سن الخامسة والسادسة بأفكار انتحارية شديدة.في حين انخفضت هذه النسبة بشكل كبير عندما تأخر الاتصال الأول بالهاتف المحمول حتى سن 13 عامًا.
ووجدت الدراسة أيضًا أن لقد أوضح الوصول المبكر إلى وسائل التواصل الاجتماعي جزءًا كبيرًا من الارتباط بين امتلاك الهاتف المحمول في وقت مبكر جدًا وتدهور الصحة العقلية لاحقًا: حوالي 40٪ من العلاقة مع ضعف الصحة العقلية، و13٪ من العلاقات الأسرية السيئة، و10٪ من حالات التنمر الإلكتروني و12٪ من اضطرابات النوم كانت مرتبطة بالتعرض المبكر للمنصات الاجتماعية.
ويشير المؤلفون إلى عدة آليات محتملة: فالشبكات تشجع المقارنة المستمرة مع الآخرين، تستغرق الكثير من الوقت والنوم، وتميل خوارزمياتهم إلى تضخيم المحتوى الضار.كل هذا ضار بشكل خاص بالأطفال الذين ما زالوا في مرحلة تطوير شخصياتهم، وهم حساسون للغاية تجاه الرفض الاجتماعي، ويفتقرون إلى الأدوات اللازمة لإدارة ما يرونه ويختبرونه في هذه البيئات بشكل صحيح.
وبناءً على هذه الأدلة، يقترح الباحثون في مختبرات Sapien وخبراء آخرون تطبيق "مبدأ الاحتياط" مماثل لمبدأ الكحول أو التبغ:تقييد وصول القاصرين إلى الهواتف الذكية وشبكات التواصل الاجتماعي قبل سن معينة، وتعزيز الثقافة الرقمية، والمطالبة بمزيد من المسؤولية من منصات التكنولوجيا الكبيرة.
ماذا يقول أطباء الأطفال وعلماء النفس والمنظمات الدولية
وقد بدأت جمعيات طب الأطفال الرئيسية والمنظمات الدولية في صياغة توصيات واضحة. الأكاديمية الأميركية لطب الأطفال يُشدد على منع استخدام الهواتف الذكية بشدة للأطفال دون سن الثانية، باستثناء مكالمات الفيديو العرضية مع أفراد الأسرة. ويُنصح من سن الثانية إلى الخامسة بساعة واحدة كحد أقصى من المحتوى عالي الجودة يوميًا، مع الإشراف الدائم؛ ومن سن السادسة فما فوق، لا يُسمح بأكثر من ساعتين يوميًا للاستخدام الترفيهي، مع تعديل هذه الحدود بما يتناسب مع نضج الطفل.
في أوروبا، هناك كيانات مثل لقد ذهبت الجمعية الإسبانية لطب الأطفال إلى خطوة أبعديوصى بعدم استخدام الشاشات مطلقًا بين سن 0 و6 سنوات، ووقت محدود للغاية بعد ذلك، ومن الأفضل حوالي ساعة واحدة يوميًا للأطفال الأكبر سنًا، مع إعطاء الأولوية دائمًا للعب البدني والراحة والحياة الاجتماعية وجهاً لوجه.
وفي الأرجنتين، وجدت دراسة أجرتها اليونيسف واليونسكو أن متوسط عمر الوصول إلى الهاتف المحمول الأول أقل من 10 سنواتوأن 80% من القاصرين يستخدمون وسائل التواصل الاجتماعي يوميًا. تتوافق هذه البيانات مع أبحاث أخرى تربط هذا الاستخدام المبكر بزيادة مشاكل النوم، وتزايد حالات "الانقطاع عن استخدام الإنترنت"، وارتفاع مستويات التوتر وصعوبة التركيز لدى المراهقين.
في إسبانيا، أكد متخصصو الرعاية الصحية الذين استشارهم المعهد التكنولوجي لمنتجات الأطفال والترفيه (AIJU) أن يكتشف ثمانية من كل عشرة أطفال المزيد من المشاكل التنموية المرتبطة بالإفراط في استخدام الشاشة.ومن بين التأثيرات التي يرونها في الاستشارة اضطرابات النوم، وزيادة الاضطرابات في الصحة العقلية، والسمنة، ومشاكل الرؤية، وسوء الوضعية، وصعوبات في تطوير المهارات الحركية الدقيقة والخشنة.
وعلاوة على ذلك، ووفقًا لهذا التقرير، فإن 91% من الأطفال يقضي وقتًا أطول أمام الشاشة مما يوصي به الخبراءويشارك في هذا القلق الأسر والعاملون في مجال الرعاية الصحية، الذين يشيرون أيضًا إلى التأثير على المجال العاطفي والاجتماعي: انخفاض القدرة على تحمل الإحباط، وسوء إدارة العواطف، وزيادة الصراعات الأسرية بسبب الهواتف المحمولة.
العنف والتنمر الإلكتروني والضغط الاجتماعي: عندما يتجاوز الخطر الصحة البدنية
وهناك بعد آخر لا يمكن تجاهله وهو البعد المتعلق العنف والتعرض لمحتوى غير لائقوحذر علماء النفس وأطباء الأطفال والمدعون العامون للأحداث في إسبانيا من أن الاستخدام المبكر للأجهزة المتصلة بالإنترنت يرتبط بزيادة مشاكل الصحة العقلية والتنمر والتنمر الإلكتروني والتعرض للعنف، بما في ذلك العنف القائم على النوع الاجتماعي بين المراهقين.
تشير البيانات المقدمة من قبل منظمات مثل مؤسسة ANAR إلى أن أكثر من نصف القضايا التي يتعاملون معها تتعلق بإساءة استخدام التكنولوجيا.وترتبط نسبة عالية جدًا بحالات عنف. يتركز التنمر الإلكتروني على منصات مثل تيك توك وإنستغرام وواتساب، أو بعض ألعاب الفيديو الإلكترونية، حيث لا تنتهي حلقاته مع انتهاء الدوام المدرسي، بل تستمر على مدار الساعة عبر الهاتف المحمول.
وقد لاحظت نيابة الأحداث أيضًا، زيادة مقلقة في السلوك العنيف والجرائم بين القاصرين المرتبطة باستخدام الهاتف المحمولبما في ذلك حالات العنف الرقمي القائم على النوع الاجتماعي والجرائم ضد الحرية الجنسية. تكمن المشكلة في أن الهاتف، بالنسبة للعديد من الشباب، هو وسيلة التواصل الأساسية لديهم، وفي الوقت نفسه، هو المكان الذي يتعرضون فيه للعدوان أو يمارسون فيه ما يرافقهم باستمرار.
الضغوط الاجتماعية على الأسر لا تساعد أيضًا: يستسلم العديد من الآباء للهاتف المحمول قبل أن يرغبوا خوفًا من أن يكون طفلهم "الوحيد بلا هاتف"وتسعى مبادرات مثل "ميثاق الأسرة، لا هواتف محمولة حتى سن 16 عاماً"، التي تروج لها جمعيات مثل "كونترول زد" أو "جمعية الهاتف المحمول المجانية"، إلى تخفيف هذا الضغط على وجه التحديد، من خلال تقديم الدعم الجماعي للأسر التي تريد تأخير تسليم الهواتف الذكية.
إن أولئك الذين يدافعون عن هذه المقترحات ليسوا "معادين للتكنولوجيا"، بل يصرون على إعطاء الأولوية للتطور العصبي والعاطفي والاجتماعي على الراحة أو الموضة.وبحسب هؤلاء المتخصصين، فإن تأخير استخدام الهواتف المحمولة يرتبط بتطور شخصي أفضل، وسلوكيات انتحارية أقل، ومشاكل أقل في الصحة العقلية في مرحلة المراهقة.
دليل عملي: حدود السن ووقت الشاشة ودور الأسرة
مع وضع كل ما سبق في الاعتبار، يتفق العديد من الخبراء على بعض الإرشادات الأساسية. بالنسبة للرضع والأطفال الصغار، التوصية الأكثر تكرارًا هي: من 0 إلى 2 سنة، لا شاشات؛ من 2 إلى 5 سنوات، بحد أقصى ساعة واحدة يوميًا، مع محتوى عالي الجودةيُنصح دائمًا بمرافقة شخص بالغ، وعدم استخدامه أبدًا وقت النوم أو وقت الوجبات. ابتداءً من سن السادسة، يُمكن البدء في استخدامه تدريجيًا، على ألا يتجاوز ساعتين يوميًا من وقت الفراغ الرقمي.
ومن ناحية أخرى، هناك إجماع متزايد على أن لا يُنصح بإعطاء الطفل هاتفًا ذكيًا خاصًا به قبل سن 12-13 عامًا.ويمكن تقليل العديد من المخاطر إذا أمكنك الانتظار لفترة أطول قليلاً، مع تكييف القرار مع نضج الطفل والسياق الأسري. حتى أن بعض أطباء الأطفال والجمعيات ينصحون بتأجيله حتى سن 15 أو 16 عامًا للحد من التعرض المبكر لوسائل التواصل الاجتماعي والتنمر الإلكتروني والمحتوى غير اللائق.
عندما يتم تسليم الهاتف أخيرًا، يقترح الخبراء إنشاء قواعد عائلية واضحة منذ اليوم الأول: جداول الاستخدام، وحظر الشاشات في غرفة النوم في الليل، ووضع الهواتف المحمولة بعيدًا عن الطاولة أثناء الوجبات، وعدم استخدام أي أجهزة أثناء أداء الواجبات المنزلية إلا في حالة الضرورة القصوى، وأوقات "خالية من الشاشات" في اليوم لجميع أفراد الأسرة، بما في ذلك البالغين.
ومن المهم أيضًا ضبط إعدادات الخصوصية و التحكم في المحتوىمن المهم حظر الوصول إلى المواقع أو التطبيقات غير المناسبة، وتقييد الإشعارات، والمراجعة الدورية للتطبيقات المستخدمة وما يحدث على منصات التواصل الاجتماعي. الأمر لا يتعلق بالتجسس، بل بالدعم والتثقيف، والحفاظ على حوار مفتوح حول ما يشاهدونه، ومع من يتحدثون، والصراعات التي تنشأ على الإنترنت.
وأخيرا، أهمية تأكد من أن الأطفال والمراهقين لديهم وقت كافٍ للنوم وممارسة الرياضة واللعب في الهواء الطلق والتواصل الاجتماعي وجهاً لوجه.وتُعد هذه الأنشطة عوامل وقائية ضد السمنة والاكتئاب ومشاكل الصحة العقلية الأخرى، ولا ينبغي تهميشها باستخدام الهاتف.
تشير كل هذه البيانات والتوصيات والتحذيرات الصادرة عن أطباء الأطفال وعلماء النفس وعلماء الأعصاب والمنظمات الدولية إلى نفس الفكرة الأساسية: يمكن أن يكون الهاتف الذكي أداة مفيدة وحليفًا للتعلم والتواصلومع ذلك، في مرحلة الطفولة والمراهقة، يرتبط الاستخدام المبكر وغير المنضبط باستمرار بمخاطر كبيرة على النمو البدني والعاطفي والاجتماعي، لذا يُنصح بتأخير وصوله قدر الإمكان، ووضع حدود واضحة منذ اليوم الأول، ومراقبة الأطفال عن كثب في كيفية تفاعلهم مع الشاشات.
